كيف قمعت إيران انتفاضة مواطنيها بقوّة قاتلة؟
فارناز فسيحي، سانجانا فارغيز، مالاشي براون، بارين بهروز
Monday, 26-Jan-2026 07:30

من فوق سطح مركز شرطة في طهران، فُتحت النيران مباشرة على المتظاهرين. في كرج، أُطلقت رصاصات حيّة على مسيرة شعبية، فأُصيب أحد المشاركين برصاصة في الرأس. وفي أصفهان، تحصّن شبّان داخل زقاق ضيّق، بينما دوّى إطلاق النار وتردّدت أصداء الانفجارات من حولهم. كانت تلك مشاهد متفرقة لانتفاضة سرعان ما تحولت إلى واحدة من أعنف حملات القمع في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

بدأت الاحتجاجات بشكل متقطع أواخر كانون الأول، مع إضراب في بازار طهران تغذّى من اقتصاد ينهار بوتيرة متسارعة. لكن مع مطلع كانون الثاني، انفجر الغضب الشعبي على نطاق واسع، لتردّ السلطات بقوة مميتة. لم تكن التظاهرات وحدها ما أقلق النظام؛ فقد شجّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب المحتجين وهدّد بتدخل عسكري، فيما اندلعت في بعض المناطق أعمال شغب تزامنت مع الاحتجاجات السلمية، شملت إحراق مبانٍ حكومية وتجارية ومساجد ومراكز شرطة.

 

في الجمعة 9 كانون الثاني، أصدر المرشد الأعلى علي خامنئي، بحسب مسؤولَين إيرانيين مطّلعين، أوامر إلى المجلس الأعلى للأمن القومي بسحق الاحتجاجات «بأي وسيلة لازمة». تلقّت القوى الأمنية تعليمات بإطلاق النار للقتل ومن دون رحمة، لترتفع حصيلة الضحايا بشكل حاد. ورغم قطع الإنترنت وتشويش الاتصالات، نجح إيرانيون في تهريب شهادات حيّة ومئات المقاطع المصوّرة، تمكّنت صحيفة «نيويورك تايمز» من جمع عدد كبير منها والتحقق من صحتها.

 

الصحيفة وثّقت، عبر مقاطع مؤكّدة، إطلاق النار على متظاهرين في ما لا يقل عن 19 مدينة، وفي 6 أحياء مختلفة من طهران خلال الأيام الأولى من كانون الثاني. كما استند التحقيق إلى شهادات أطباء وممرضة في مستشفيات إيرانية، وصور موثقة لمئات الجثث نُقلت إلى مشرحة رئيسية في العاصمة. كذلك أُجريت مقابلات مع عشرات الإيرانيين في طهران وأصفهان وشيراز ورشت والأهواز، إضافة إلى أقارب ضحايا، جميعهم طلبوا عدم كشف هوياتهم خوفاً من الانتقام.

 

بحلول الاثنين 12 كانون الثاني، كانت الانتفاضة قد سُحقت إلى حدّ كبير. ومع تسرّب المعلومات، قدّرت «وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان» في واشنطن عدد القتلى بما لا يقل عن 5200 شخص، بينهم 56 طفلاً، فيما أكّدت منظمة «حقوق الإنسان في إيران» في النرويج مقتل 3400 على الأقل، مع احتمال تضاعف الأرقام لاحقاً. في المقابل، أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني مقتل 3117 شخصاً، بينهم 427 من عناصره، متّهماً «خلايا إرهابية» مرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة بالمسؤولية. ووصفت الباحثة في «العفو الدولية» راهة بحريني ما جرى بأنّه «مجزرة منسّقة تقودها الدولة».

 

في حي صادقيه بطهران، خرجت نصيم بورغايي (45 عاماً) مع زوجها وسط حشود ضخمة. بعد لحظات، تحوّل المشهد إلى فوضى دامية. أصابتها رصاصة في العنق، وسقطت تنزف حتى الموت. مقاطع موثّقة تُظهر أصوات الرصاص الحي والمتظاهرين وهم يفرّون مذعورين. عشرات الفيديوهات تُبرز عناصر أمن ومسلحين على دراجات نارية، يستخدمون بنادق وهراوات وغازاً مسيلاً للدموع. في طهران بارس، أُطلقت النار من فوق سطح مركز شرطة لأكثر من 6 دقائق، مع أصوات مئات الطلقات، فيما حذّر متظاهرون بعضهم من وجود قنّاصة.

 

في كرج ومشهد ومدن أخرى، تكرّرت المشاهد: مسيرات تتحول إلى مطاردات، إصابات في الرأس والصدر، وجثث ممدّدة في الشوارع. وفي مستشفيات البلاد، غرق الطواقم الطبية في فوضى غير مسبوقة. أطباء وممرضون تحدّثوا عن نقص حاد في الدم والجراحين، وعن غرف طوارئ مكتظة بالمصابين الممدّدين على الأرض. بعض المرضى توفوا فور وصولهم، فيما أقامت فرق طبية نقاط إسعاف سرّية خوفاً من اعتقال الجرحى.

 

في مستشفى فارابي للعيون بطهران، سُجّلت مئات إصابات العيون نتيجة رصاص الخردق والرصاص الحي، بينها حالات لأطفال. طبيب قال إنّه اضطر لإفراغ محجري عيني طفل في الثالثة عشرة. صور أرسلها أطباء من الداخل أظهرت إصابات قاتلة في الرأس والعينين، وأكّد خبراء مستقلون أنّ العديد منها ناتج من إطلاق نار من مسافات قريبة.

 

أما مشرحة كهريزاك، فغصّت بالجثث. أكياس سوداء مكدّسة في كل زاوية، جثث في الثلاجات وعلى الأرض وفي الساحات. عائلات تبحث عن أحبائها عبر شاشات تعرض وجوه القتلى مرقّمة. صراخ، انهيارات، وبكاء هستيري. مقاطع موثقة أظهرت مئات الجثث خلال أيام قليلة، بينها عشرات مجهولي الهوية، وغالبية الضحايا بدت عليهم إصابات مروّعة في الرأس.

 

ومع اتساع رقعة الدفن، تحوّلت الجنازات إلى احتجاجات. آباء يدفنون أبناءهم، وأطفال يودّعون أهلهم. الضحايا ينتمون إلى مختلف الأعمار والطبقات والمناطق: رياضيون، طلاب، معلمون، مراهقون في مقتبل العمر. في كثير من المآتم، استُبدلت طقوس الحداد التقليدية بالتصفيق والهتاف: «هذه الزهرة الساقطة هدية للوطن». هكذا، حتى بعد القمع، استمر صدى الانتفاضة في وداع قتلاها.

الأكثر قراءة